أبي الفرج الأصفهاني

454

الأغاني

قلت لابن جامع [ 1 ] يوما : هل غلبك أحد من المغنين قط ؛ قال : نعم ؛ كنت ليلة ببغداد إذ جاءني رسول الرشيد [ 2 ] ؛ يأمرني بالركوب ؛ فركبت حتى إذا صرت إلى الدار ، فإذا أنا بفضل بن الربيع معه زلزل العواد وبرصوما : فسلمت وجلست قليلا ، ثم طلع خادم فقال للفضل : هل جاء ؟ فقال : لا ، قال : فابعث إليه ؛ ولم يزل المغنون يدخلون واحدا بعد واحد حتى كنا ستة أو سبعة . ثم طلع الخادم فقال : هل جاء ؟ فقال : لا ، قال : قم [ 3 ] ؛ فابعث في طلبه ؛ فقام فغاب غير طويل ؛ فإذا هو قد جاء بعمرو بن أبي الكنّات ؛ فسلم ؛ وجلس إلى جنبي فقال لي : من هؤلاء ؟ قلت مغنون ؛ وهذا زلزل ، وهذا برصوما . فقال : واللَّه لأغنينك غناء يخرق هذا السقف وتجيبه الحيطان ولا يفهمون منه شيئا . قال : ثم طلع الخصيّ فدعا بكراسيّ ؛ وخرجت الجواري . فلما جلسن قام الخادم للمغنين : شدوا ، فشدّوا عيدانهم [ 4 ] ، ثم قال : نعم يا بن جامع ؛ فغنيت سبعة أو ثمانية أصوات . ثم قال : اسكت وليغنّ إبراهيم الموصلي ؛ فغنى مثل ذلك أو دونه . ثم سكت ؛ فلم يزل يمرّ القوم واحدا واحدا حتى فرغوا . / ثم قال : لابن أبي الكنّات : غنّ ، فقال لزلزل : شد طبقتك [ 5 ] ، فشد ثم أخذ العود من يده فحبّسه حتى وقف على الموضع الَّذي يريده ، ثم قال : على هذا وابتدأ بصوت أوله : ألالا : فو اللَّه لقد خيّل لي أن الحيطان تجاوبه . ثم رجع النغم فيه . فطلع الخصيّ فقال له : اسكت . لا تتم الصوت ، فسكت . ثم قال : يحبس عمرو بن أبي الكنّات ، وينصرف باقي المغنين ، فقمنا بأكسف حال وأسوإ بال ، لا واللَّه ما زال كل واحد منا يسأل صاحبه عن كل شعر يرويه من الغناء الَّذي أوله : ألالا ، طمعا في أن يعرفه أو يوافق غناءه . فما عرفه منا أحد وبات عمرو ليلته عند الرشيد ، وانصرف / من عنده بجوائز وصلات وطرف سنيه . يغني وقد دفع من عرفة فيزحم الناس الطريق : قال هارون : وأخبرني محمد بن عبد اللَّه عن موسى بن أبي المهاجر قال : خرج ابن جامع وابن أبي الكنّات حين [ 6 ] دفعا من عرفة حتى إذا كان بين المأزمين [ 7 ] جلس عمرو على طرف الجبل ، ثم اندفع يغني ، فوقف القطارات ، وركب الناس بعضهم بعضا حتى صاحوا واستغاثوا : يا هذا ، اللَّه اللَّه . اسكت عنا يجز الناس ، فضبط إسماعيل بن جامع بيده على فيه حتى مضى الناس إلى مزدلفة . يغني على جسر بغداد فتمتلىء الجسور بالناس : قال هارون : وحدّثني عبد الرحمن بن سليمان عن عليّ بن أبي الجهم قال : حدّثني من أثق به قال . وافقت ابن أبي الكنّات المديني [ 8 ] على جسر بغداد أيام الرشيد . فحدثته بحديث اتصل بي عن ابن عائشة أنه

--> [ 1 ] ف : « إسماعيل بن جامع » . [ 2 ] في ف : « أمير المؤمنين » . [ 3 ] كذا في ف . وفي س ، ب : « نعم » ، تحريف . [ 4 ] هد ، ف : « قال الخادم للمغنين : سووا ، فسووا عيدانهم » . [ 5 ] في ف : « طبقك » . [ 6 ] في « نهاية الأرب » : « حين دفع الإمام من عرفة » . [ 7 ] المأزمان : اسم لعدة مواضع ، منها موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفه . [ 8 ] في ف ، و « نهاية الأرب » : واقفت ابن أبي الكنات على جسر .